عبد الكريم الخطيب
978
التفسير القرآنى للقرآن
قوله تعالى : « ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ » . . الإشارة هنا إلى كفر الكافرين ، وإلى المنزلق الذي دفع بهم إلى الكفر . . فلقد جاءتهم رسلهم بالبينات ، أي بالآيات البينة الواضحة ، والمعجزات الناطقة التي تشهد بأنهم رسل اللّه . . ومع هذا فقد أبى القوم إلا ركوب رؤوسهم ، ثم نظروا إلى تلك الآيات فرأوها وهم في هذا الوضع المنكوس . . رأوا حقها باطلا ، ونورها ظلاما ، وهداها ضلالا . . ثم عجبوا أن يكون بشر مثلهم ، ورجل منهم ، هو الذي يدلّهم على الخير ، ويقودهم إلى الحق ! ! فكفروا به ، وبالآيات التي معه ، وباللّه الذي أرسله . . وقوله تعالى : « فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا » أي أنهم لم يكفروا ويكذبوا بالرسول وحسب ، بل تولوا معرضين عن الحق ، الذي كان من شأنه - لو تمهلوا قليلا ، ولم يستبد بهم العناد - أن يهتدوا إليه بأنفسهم ، ولرأوا أن ما يدعوهم الرسول إليه ، هو دعوة موجهة إليهم من عقولهم ، قبل أن يوجهها الرسول إليهم . . وقوله تعالى : « وَاسْتَغْنَى اللَّهُ » أي أنهم بكفرهم وتولّيهم هذا كأنهم قد استغنوا عن اللّه ، وقطعوا كل صلة تصلهم به ، سواء أكان ذلك عن دعوة رسول من عند اللّه ، أو عن دعوة من عقولهم ، ولهذا فإن اللّه قد استغنى عنهم ، وطردهم من مواقع الإيمان به . . وفي التعبير عن إعراض اللّه عنهم ، وطرده إياهم - بالاستغناء ، إنما هو من باب الردّ عليهم بمثل منطقهم وأنهم إذ قد استغنوا عن اللّه ، فاللّه قد استغنى عنهم . .